القرطبي
120
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
فصل هذا الباب يدلّك على أن كفر من كفر فقط ، ليس ككفر من طغى وكفر وتمرّد وعصى ، ولا شكّ في أن الكفّار في عذاب جهنم متفاوتون ، كما قد علم من الكتاب والسنة ، ولأنا نعلم على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم وأفسد في الأرض وكفر ، مساويا لعذاب من كفر فقط وأحسن للأنبياء والمسلمين . ألا ترى أبا طالب كيف أخرجه النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى ضحضاح لنصرته إياه ، وذبّه عنه وإحسانه إليه ؟ وحديث مسلم عن سمرة يصح أن يكون في الكفار بدليل حديث أبي طالب ، ويصح أن يكون فيمن يعذّب من الموحّدين ، إلا أن اللّه تعالى يميتهم إماتة ، حسب ما تقدّم بيانه . وفي خبر كعب الأحبار : يا مالك ؛ مر النار لا تحرق ألسنتهم ، فقد كانوا يقرءون القرآن ، يا مالك : قل للنار تأخذهم على قدر أعمالهم ، فالنار أعرف بهم وبمقدار استحقاقهم من الوالدة بولدها ، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى سرّته ، ومنهم من تأخذه النار إلى صدره ، وذكر الحديث سيأتي بكماله إن شاء اللّه تعالى . وذكر القتبي في « عيون الأخبار » له مرفوعا عن أبي هريرة أنه قال : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه إذا قضى بين خلقه وزادت حسنات العبد دخل الجنة ، وإن استوت حسناته وسيئاته حبس على الصراط أربعين سنة ، ثم بعد ذلك يدخل الجنة ، وإن زادت سيئاته على حسناته دخل النار من باب التوحيد ، فيعذّبون في النار على قدر أعمالهم . فمنهم من تنتهي له النار إلى كعبيه ، ومنهم من تنتهي إلى ركبتيه ، ومنهم من تنتهي النار إلى وسطه » . وذكر الحديث . وذكر الفقيه أبو بكر بن برجان أن حديث مسلم في معنى قوله تعالى : وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ الأحقاف : 19 ] قال : أرى - واللّه أعلم - أن هؤلاء الموصوفين في هذه الآية والحديث أهل التوحيد ، فإن الكافر لا تعاف النار منه شيئا ، وكما اشتمل في الدنيا على الكفر شملته النار في الآخرة ، قال اللّه تعالى : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر : 16 ] ، أي : أن ما فوقهم ظلل لهم ، وما تحتهم ظلل لمن تحتهم . * * *